الكاتب: محمد بوعلي
المعرفة الكافرة
إن المشروع المعرفي الغربي كافر بالمعنى العميق للكلمة فهو ليس كافر بالإله وحسب، وإنما كافر بالإنسان أيضا إذ يعلن موت الإله ثم موت الإنسان باعتباره كائنا متميزا عن الطبيعة، ثم ينتهي به الأمر أن ينزع القداسة عن كل شيء وينكر المعنى.
عبد الوهاب المسيري
قبل ثلاث سنوات قرأت هذه القولة في كتاب عبد الوهاب المسيري الموسوم بدراسات معرفية في الحداثة الغربية، فشعرت حينها بفراغ معرفي لسبر أغوار هذه القولة التي ما زالت تشغلني إلى الآن؛ إذ انتقلت من تلق عادي إلى أسئلة تصارع ذهني، بل إلى دافع أساسي للانفتاح على عالم الفكر والفلسفة، فأصبحت أتنقل بين كتب المفكرين، من عبد الوهاب المسيري، إلى طه عبد الرحمن، إلى محمد عابد الجابري، إلى البشير الإبراهيمي...، باحثا عن جواب يشفي غليل البحث عن موضوع أحدث رجة فلسفية في ذهني، إنه موضوع ذو صلة قوية بالإنسان عموما والإنسان العربي خصوصا، ولا يمكن فهم كينونته إلا بالإجابة عن إشكالات انحدرت من صلب هذه القولة: من هم الغرب؟ وأين نحن وهم، في خريطة المعرفة؟ وهل فعلا معرفتهم كافرة بتعبير المسيري؟ وإن كانت كافرة فهل لها من سبيل للإسلام ؟
تعمد هذه الأسئلة استفزاز المثقف العربي، لمعرفة تموقعه الفكري، ولا مراء في قولنا إن تموقع الإنسان مرهون بطبيعة معرفته. ولعل تاريخ الإنسان يؤكد فاعلية المعرفة في تنمية سيرورة الحياة. وقبل أن نبحث أكثر في معنى القولة، أستشير اللسان العربي في المعنى اللغوي لكلمة معرفة.
يحيل المعجم على أن كلمة ”معرفة“ تدل على الإدراك والتحديد، وهي ضد النكرة وكل ما هو غامض، وهذا التعريف اللغوي يتقاطع والتعريف الاصطلاحي؛ باعتبار المعرفة حقائق تم التوصل إليها وإدراكها بعد بحث وتقصٍ، وقد شاركت المجتمعات البشرية جميعها بمختلف أقطابها في إنتاجها، فأضحت محرك الفكر المشترك بين مختلف الشعوب، إلا أنها لم تسلم من خلفياتهم المختلفة. فالغرب باعتباره وليد الحضارتين اليونانية والرومانية يشكل منبعا مهما للمعرفة، ولا يعذر على المثقف عامة أن يجهل الموروث اليوناني. وفي الحيز الآخر نجد العالم العربي انصهرت من خلاله معارف شتى. ولا شك في قولنا إن تراثنا يشكل التربة الخصبة التي تغذت عليه مختلف الحضارات ولا سيما الحضارة الغربية، فإن المتأمل في تاريخ المعرفة سيدرك مدى غزارة ورصانة التراث العربي، فقبل أن ننسب أي شيء للغرب يجب أن نبحث عنه في تاريخنا، وقبل أن نغترف معارفهم، وجب علينا استنطاقها، وهذا ما فعله المسيري، قبل أن ينتقد الغرب انتقادا تكفيريا، حيث إن السياق الذي وردت فيه هذه القولة فكري محض، يستدعي المنطق والحجة والمعرفة المحكمة، وهو الحديث عن الحداثة وأزمنة المابعديات، الذي شغل كل مفكر ذي نزعة إصلاحية، ولعل طه عبد الرحمن رائد هذه النزعة من خلال مشروعه المنصب في الكشف عن عيوب الحداثة الغربية وتأسيس حداثة إسلامية تخدم الإنسان ولا تضره، و المسيري هو الآخر لا يختلف عن طه عبد الرحمن، بقدر ما يعزز مشروعه.
وعلى هذا النحو، يظهر أن سياقها مرتبط تمام الارتباط بالفكر النقدي‐الإصلاحي، فكل مفكر شرع في نقد الحداثة الغربية إلا وله مشروعه الإصلاحي، وهذا ما نستبصره في قولته، فالغرب بمؤسساته الكبرى (الاقتصادية والسياسية والعسكرية) استطاع أن ينزع من الإنسان هويته وإنسانيته، فأضحى الإنسان دمية توجه وفق هواهم، ساعين من هذا إلى مكننته والحد من إبداعيته وقمع فطرته، ولعل تنبؤ المفكرين الغربيين مثل شبنجلر وتوينبي بأزمة حضارتهم أصبح واضحا. وبهذا يكون المسيري بنى تكفيره على التوجه المستبد للمؤسسات الكبرى، وأي إنتاج غربي خاضع لهذه المؤسسات، هو إنتاج كافر، إذ إن أغلب الإنتاجات المعرفية منذ القرن السابع عشر إلى حدود اللحظة خاضعة خضوعا كليا للأنظمة الكبرى، فتقديس العقل والخضوع للحياة المادية وهيمنة البرغماتية، ضرب من ضروب التأزم الغربي، وهذا ما ذهب إليه طه عبد الرحمان في كتابه سؤال الأخلاق، في قوله: إن الحضارة الغربية ناقصة عقلا وظالمة قولا ومتأزمة معرفة ومتسلطة تقنية، وبهذا تكون المعرفة الغربية معرفة كافرة بالمعنى العميق للكلمة، ولا بد للإنسان العربي أن يعيد النظر في مقروئه حتى لا يقع ضحية المثالية المفرطة للغرب.
جماع القول، إن قولة المسيري لا تزال تنطق بأسرارها، لإضاءة غير المضاء، ولكشف الحجاب عن طبيعة ما يسكننا من معارف الغير، وقولته وجب علينا استنطاقها مستحضرين توجهه حتى لا نؤولها تأويلا سطحيا.
بقلم محمد بوعلي (طالب باحث)












